الخدمة العمومية هي أكثر ما يلمسه المواطن من مؤسسات الدولة. وتحسين جودتها لا يعني فقط تسريع الإجراءات، بل تصميم الخدمة انطلاقاً من حاجة المواطن وتجربته، وقياس ما يدركه فعلاً لا ما تفترضه الإدارة.
وتختلف الخدمة العمومية عن الخدمة التجارية في أن المواطن لا يملك غالباً بديلاً عنها، فلا يستطيع أن يغيّر مقدّم الخدمة إذا لم يرضَ. لذلك لا تأتي دوافع التحسين من المنافسة، بل من التزام الإدارة بمسؤوليتها، ومن القياس المنتظم، ومن الشفافية أمام المستفيدين. والمواطن يحكم على الخدمة بتجربته الكاملة: وضوح المعلومة، ومدة الانتظار، وحسن الاستقبال، ثم النتيجة النهائية التي جاء من أجلها.
أبعاد جودة الخدمة
اقترح الباحثون باراسورامان وزيثامل وبيري نموذجاً معروفاً لقياس جودة الخدمات يُعرف باسم SERVQUAL، ويقوم على فكرة بسيطة: الجودة المدركة هي الفجوة بين ما يتوقعه المستفيد وما يلمسه فعلاً. ويتوزع التقييم على خمسة أبعاد:
- الملموسية: المرافق والتجهيزات ومظهر مكان الاستقبال، من نظافة قاعة الانتظار إلى وضوح اللافتات والمطبوعات.
- الاعتمادية: تقديم الخدمة الموعودة بدقة ومن المرة الأولى، دون أخطاء في الوثائق ودون مطالبة المواطن بالعودة.
- سرعة الاستجابة: الاستعداد لمساعدة المواطن دون تأخير، والرد على استفساراته في آجال معقولة.
- الثقة: كفاءة العاملين ومعرفتهم بالإجراءات وقدرتهم على بثّ الطمأنينة.
- التعاطف: الاهتمام الفردي وفهم وضع المواطن، ولا سيما كبار السن وذوي الإعاقة ومن يجد صعوبة في فهم الإجراءات.
وفي التطبيق، تُستخدم هذه الأبعاد لإعداد استبيانات قصيرة تقارن التوقعات بالإدراك، فتكشف الفجوات الأكبر أولويات التحسين، بدل الاكتفاء بسؤال عام عن الرضا لا يبيّن أين يكمن الخلل.
من الإجراء إلى تجربة المواطن
- رسم رحلة المواطن: من لحظة البحث عن المعلومة حتى الحصول على الخدمة، مع تحديد نقاط الانتظار والتعقيد واللحظات التي يتشكّل فيها انطباعه.
- تبسيط الإجراءات: حذف الخطوات والوثائق غير الضرورية، وتجنّب مطالبة المواطن بوثائق تملكها الإدارة أصلاً.
- وضوح المعلومة: الشروط والآجال والوثائق المطلوبة متاحة مسبقاً وبلغة مفهومة.
- قنوات متعددة: الاستقبال المباشر والهاتف والخدمات الرقمية، مع الإبقاء على بديل لمن لا يستطيع استعمال القنوات الرقمية.
مثال تطبيقي: شباك خدمات في بلدية
تتلقى مصلحة الحالة المدنية في إحدى البلديات شكاوى متكررة من طول الانتظار ومن اضطرار المواطنين إلى العودة أكثر من مرة. ويرسم فريق صغير يضم أعوان الشباك ومسؤولهم المباشر رحلة المواطن، فيتبيّن أن كثيراً من الزيارات الثانية سببها نقص وثيقة لم يكن المواطن يعلم بضرورتها، وأن شباكاً واحداً يعالج الطلبات البسيطة والمعقدة معاً.
وبناءً على ذلك، تُنشر قائمة الوثائق المطلوبة لكل خدمة عند المدخل وعلى الموقع الإلكتروني، ويُخصَّص شباك للطلبات البسيطة، ويُعتمد نظام تذاكر يُظهر دور الانتظار، ويُنظَّم تكوين قصير على حسن الاستقبال. ثم يُقاس أسبوعياً متوسط مدة الانتظار وعدد الزيارات المتكررة، وتُقارن النتائج بالوضع الأول قبل تعميم التجربة على خدمات أخرى، وفق منطق دورة PDCA.
الاستماع إلى المواطن ومواثيق الخدمة
- استبيانات قصيرة بعد تقديم الخدمة، مبنية على الأبعاد الخمسة.
- معالجة الشكاوى بآجال معلنة، مع إعلام صاحب الشكوى بما اتُّخذ من إجراءات.
- تحليل الملاحظات دورياً لاكتشاف المشكلات المتكررة وأسبابها الجذرية.
- زيارات تقييم مجهولة يؤدي فيها شخص دور المواطن ليقيس الخدمة كما تُقدَّم فعلاً.
أما ميثاق الخدمة فهو التزام علني من الإدارة بمعايير خدمة محددة، مثل آجال المعالجة وساعات الاستقبال وشروطه، مع بيان حقوق المواطن وواجباته وطرق تقديم الشكوى، ونشر مدى الالتزام بهذه المعايير. وهذه الشفافية تبني الثقة وتحفّز التحسين، بشرط أن تكون الالتزامات واقعية وأن يُراجَع الميثاق دورياً.
خطوات عملية للانطلاق
- اختيار خدمة واحدة كثيرة الطلب لتكون نقطة البداية.
- رسم رحلة المواطن فيها مع العاملين في الخط الأمامي ومع عينة من المستفيدين.
- قياس الوضع الحالي بمؤشرات بسيطة، مثل مدة الانتظار ومدة المعالجة وعدد الملفات المرفوضة لنقص الوثائق ورضا المواطن.
- تنفيذ تحسينات سريعة، ثم معالجة أسباب التعقيد الأعمق في الإجراء نفسه.
- صياغة التزامات واضحة يمكن الوفاء بها، ونشرها للمواطنين.
- مراجعة النتائج دورياً، وتعميم ما نجح على خدمات أخرى.
أخطاء شائعة
- رقمنة إجراء معقّد كما هو، فينتقل التعقيد من الشباك إلى الشاشة.
- الاكتفاء بقياس الرضا العام دون معرفة أسباب عدم الرضا.
- نشر ميثاق بالتزامات لا تستطيع الإدارة الوفاء بها، فيتحول إلى مصدر لفقدان الثقة.
- إهمال العاملين في الخط الأمامي، رغم أنهم أول من يرى المشكلات وأقدر على اقتراح الحلول.
- قياس ما يسهل قياسه، كعدد الملفات المعالجة، وإغفال ما يهمّ المواطن، كالحصول على الخدمة من المرة الأولى.
الخدمة الجيدة هي التي تحترم وقت المواطن وكرامته.
