الجزائر العاصمة36.7764° N · 3.0586° E

منظمة وطنية مهنية غير ربحية

أساسيات الجودةمدة القراءة: 4 دقائق#01

ما هي الجودة؟ من المطابقة إلى القيمة

كثيراً ما نسمع كلمة «الجودة» في الإدارة والصناعة والخدمات، لكن معناها يتجاوز صورة المنتج الفاخر أو الخدمة الباهظة. فالجودة في جوهرها قدرة المنتج أو الخدمة على تلبية ما يحتاجه المستفيد ويتوقعه، بصورة ثابتة ومتكررة.

تعريفات تكمّل بعضها

عرّفت المواصفة الدولية ISO 9000 الجودة بأنها «درجة استيفاء مجموعة من الخصائص الملازمة لشيء ما للمتطلبات». ويضع هذا التعريف المتطلبات في القلب، سواء كانت معلنة أو ضمنية أو إلزامية.

ويستحق عنصران في هذا التعريف وقفة. فالخصائص الملازمة هي الموجودة في الشيء ذاته، كدقة البيانات في وثيقة إدارية أو مدة انتظار المستفيد، بخلاف الخصائص المُسندة إليه كالسعر، التي لا تعدّها المواصفة من خصائص الجودة. أما المتطلبات فلا تقتصر على ما يُكتب في العقود والمواصفات الفنية، بل تشمل ما يتوقعه المستفيد دون أن يصرّح به، وما تفرضه القوانين والتنظيمات.

وتميّز المواصفة كذلك بين الجودة والدرجة، أي الفئة أو الرتبة التي تُعطى لمتطلبات مختلفة لأشياء لها الاستخدام نفسه، كدرجات تذاكر الطيران أو تصنيف الفنادق. فقد يكون فندق متواضع التصنيف عالي الجودة لأنه يفي بما وعد به، وقد يخيّب فندق فاخر آمال نزلائه. فالجودة إذن ليست مرادفاً للفخامة.

وقدّم رواد الجودة زوايا نظر مكمّلة:

  • جوزيف جوران: الجودة هي «الملاءمة للاستخدام»، أي أن يؤدي المنتج الغرض الذي اقتُني من أجله.
  • فيليب كروسبي: الجودة هي «المطابقة للمتطلبات»، مع التركيز على الوقاية بدل التصحيح.
  • إدواردز ديمينغ: الجودة تُبنى في النظام والعمليات، وتتحسّن باستمرار انطلاقاً من فهم المستفيد.

وتؤكد ISO 9000 فكرة تجمع هذه الزوايا: فجودة المنتجات والخدمات لا تقتصر على وظيفتها وأدائها المقصودين، بل تشمل أيضاً قيمتها المُدرَكة والمنفعة التي يجنيها المستفيد منها. وهنا يكمن الانتقال من المطابقة إلى القيمة.

من الفحص إلى ثقافة شاملة

تطوّر مفهوم الجودة عبر مراحل: بدأ بالفحص النهائي لفرز المعيب، ثم انتقل إلى ضبط الجودة أثناء الإنتاج بالأساليب الإحصائية، ثم إلى ضمان الجودة الذي يبني الثقة عبر أنظمة موثّقة، وصولاً إلى إدارة الجودة الشاملة التي تجعل الجودة مسؤولية كل فرد في المؤسسة.

وفي كل مرحلة اتسعت دائرة الجودة: من المنتج النهائي إلى العمليات التي تنتجه، ثم إلى نظام الإدارة الذي يحكم هذه العمليات، ثم إلى المؤسسة بأكملها وعلاقاتها بالمستفيدين والموردين والمجتمع. ولم تُلغِ أي مرحلة ما سبقها، فالفحص ما يزال ضرورياً، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة ولا الأهم.

أبعاد الجودة

اقترح ديفيد غارفن ثمانية أبعاد تساعد على فهم جودة المنتج: الأداء، والخصائص الإضافية، والموثوقية، والمطابقة، والمتانة، وسهولة الصيانة، والجمالية، والجودة المُدرَكة. أما في الخدمات فتبرز أبعاد مثل سرعة الاستجابة، والاعتمادية، وحسن التعامل.

وقد صاغ نموذج SERVQUAL، الذي طوّره الباحثون باراسورامان وزيثامل وبيري، خمسة أبعاد لجودة الخدمة: الجوانب الملموسة كالمكان والتجهيزات، والاعتمادية، والاستجابة، والضمان الذي يبعث على الثقة، والتعاطف مع المستفيد.

ويذكّر نموذج كانو بأن متطلبات المستفيد ليست من نوع واحد: فهناك متطلبات أساسية لا يُلتفت إلى وجودها لكن غيابها يثير الاستياء، ومتطلبات أداء يزداد الرضا كلما تحسّنت، وعناصر جاذبة تُسعد المستفيد لأنه لم يكن يتوقعها. ومع مرور الوقت تميل العناصر الجاذبة إلى أن تصبح متطلبات أساسية.

كلفة غياب الجودة

لا تأتي الجودة مجاناً، لكن غيابها أكثر كلفة. يميّز نموذج تكاليف الجودة بين:

  • تكاليف الوقاية: التدريب، والتخطيط، وتصميم العمليات.
  • تكاليف التقييم: الفحص والقياس والتدقيق.
  • تكاليف الإخفاق الداخلي: إعادة العمل والهدر قبل وصول المنتج إلى المستفيد.
  • تكاليف الإخفاق الخارجي: الشكاوى والإرجاع وفقدان الثقة.

وتنبع أهمية هذا النموذج من أن تكاليف الإخفاق كثيراً ما تبقى خفية: وقت يضيع في البحث عن ملف، وعمل يُعاد، ومستفيد لا يعود دون أن يشتكي. ولذلك يوجّه منطق الجودة الاستثمار نحو الوقاية والتصميم السليم، بدل الاكتفاء بفحص متأخر.

كل دينار يُستثمر في الوقاية يقلّل من تكاليف الإخفاق التي لا تظهر دائماً في الحسابات.

مثال تطبيقي: شبّاك خدمات في بلدية

لنأخذ شبّاكاً يسلّم وثائق الحالة المدنية في بلدية. المتطلبات المعلنة واضحة: وثيقة صحيحة البيانات تُسلَّم في الأجل المحدد، أما المتطلبات الإلزامية فتفرضها النصوص التنظيمية. وتشمل المتطلبات الضمنية الاستقبال اللائق، ووضوح المعلومات حول الوثائق المطلوبة، وتنظيماً عادلاً للدور. ولو اكتفت المصلحة بفحص الوثائق قبل تسليمها لاكتشفت بعض الأخطاء، لكنها ستتحمل كلفة إعادة إصدارها، وقد يفلت بعضها فيعود المواطن مرة أخرى. أما إذا حلّلت أسباب الأخطاء، ووحّدت طريقة إدخال البيانات، ودرّبت الموظفين، ونشرت قائمة واضحة بالوثائق المطلوبة، فإنها تنتقل من التصحيح إلى الوقاية، ومن المطابقة الشكلية إلى قيمة يلمسها المواطن.

كيف تبدأ المؤسسة؟

  1. حدّد المستفيدين من كل خدمة أو منتج، واجمع متطلباتهم المعلنة والضمنية والإلزامية.
  2. حوّل كل متطلب إلى خاصية قابلة للقياس، كمدة الانتظار أو دقة البيانات.
  3. قِس الوضع الحالي، وقدّر تكاليف الإخفاق الظاهرة والخفية.
  4. وجّه الجهد نحو الوقاية: تصميم العمليات، والتدريب، والتعليمات الواضحة.
  5. أنشئ قنوات دائمة للاستماع إلى المستفيدين، كتحليل الشكاوى والاستبيانات والملاحظة المباشرة.

أخطاء شائعة

  • الخلط بين الجودة والفخامة أو السعر المرتفع.
  • حصر الجودة في مصلحة الرقابة أو في الفحص النهائي.
  • الاكتفاء بالمطابقة للمواصفات الداخلية دون التحقق مما يقدّره المستفيد فعلاً.
  • إهمال المتطلبات الضمنية لأنها غير مكتوبة.
  • تجاهل التكاليف الخفية لغياب الجودة لأنها لا تظهر في الحسابات.
شارك المقال: