إذا كانت الجودة تعني تلبية المتطلبات، فإن التميّز المؤسسي يعني الوصول إلى أداء متفوق ومستدام في كل جوانب المؤسسة: قيادتها، وعملياتها، وأفرادها، ونتائجها. وتقدّم نماذج التميّز أطراً منظّمة لتقييم هذا الأداء وتحسينه باستمرار.
من الالتزام إلى الريادة
تبدأ كثير من المؤسسات رحلتها بنظام لإدارة الجودة يضمن الالتزام بالمعايير. ثم تنتقل نماذج التميّز إلى سؤال أوسع: كيف نخلق قيمة مستدامة لكل الأطراف المعنية، ونحقق نتائج تضاهي أفضل الممارسات؟
ويختلف المنطقان في طبيعتهما. فمواصفة مثل ISO 9001 تحدد متطلبات يُحكم على المؤسسة بمطابقتها لها أو عدم مطابقتها، وتُتوَّج بالإشهاد. أما نماذج التميّز فأطر غير إلزامية لا تفرض طريقة عمل بعينها، وتقيس درجة النضج على سلّم متدرّج، فتساعد المؤسسة على معرفة موقعها في رحلة لا نهاية محددة لها. والطريقان متكاملان لا متعارضان.
نماذج معروفة عالمياً
- نموذج EFQM: طوّرته المؤسسة الأوروبية لإدارة الجودة، ويقوم في إصداراته الحديثة على ثلاثة محاور: التوجّه (الغاية والرؤية والاستراتيجية، والثقافة والقيادة)، والتنفيذ (إشراك الأطراف المعنية، وخلق القيمة، وقيادة الأداء والتحوّل)، والنتائج. ويجيب المحور الأول عن سؤال «لماذا؟»، والثاني عن «كيف؟»، والثالث عن «ماذا حققت المؤسسة؟».
- إطار بالدريج للتميّز: يرتبط بجائزة مالكوم بالدريج الوطنية للجودة في الولايات المتحدة، ويقيّم المؤسسة عبر فئات تشمل القيادة، والاستراتيجية، والعملاء، والقياس والتحليل وإدارة المعرفة، والقوى العاملة، والعمليات، والنتائج. وله صيغ مكيّفة لقطاعات مثل التعليم والصحة.
- جائزة ديمينغ: من أقدم جوائز الجودة، يمنحها في اليابان اتحاد العلماء والمهندسين اليابانيين (JUSE) تقديراً لتطبيق إدارة الجودة الشاملة، وتحمل اسم إدواردز ديمينغ اعترافاً بإسهامه في نشر أساليب الجودة هناك.
وقد استلهمت جوائز وطنية وإقليمية كثيرة للتميّز هذه النماذج أو بنت عليها.
مفاهيم مشتركة بين النماذج
رغم اختلاف بنيتها، تلتقي هذه النماذج حول أفكار أساسية:
- قيادة ذات رؤية تكون قدوة في الالتزام.
- التركيز على المستفيد وخلق القيمة له.
- إدارة المؤسسة بالعمليات والحقائق.
- إشراك الأفراد وتنمية قدراتهم.
- التعلّم والابتكار والتحسين المستمر.
- الإسهام الإيجابي في المجتمع وتحمّل المسؤولية تجاهه.
- تحقيق نتائج متوازنة ومستدامة لكل الأطراف المعنية.
منطق RADAR
يعتمد نموذج EFQM منطقاً تقييمياً يُعرف بـ RADAR:
- النتائج (Results): ما الذي نريد تحقيقه؟
- المناهج (Approaches): كيف نخطط لتحقيقه؟
- النشر (Deploy): هل طُبّقت المناهج بشكل منهجي؟
- التقييم والتطوير (Assess & Refine): هل نقيس ونتعلّم ونحسّن؟
ويطرح RADAR عند التقييم أسئلة دقيقة: هل المنهج سليم ومبني على أساس واضح ومتكامل مع غيره؟ هل نُشر في كل المواقع المعنية؟ هل يُقاس أثره ويُراجَع؟ وهل تُظهر النتائج اتجاهات إيجابية عبر الزمن، ومقارنات مع الأهداف والمرجعيات؟
وفي التقييمات الرسمية تُترجم هذه الأسئلة إلى درجات تعكس نضج المؤسسة، لكن قيمتها الكبرى في الحوار الذي تثيره داخل الفريق حول الأدلة وفرص التحسين. كما يصلح RADAR إطاراً بسيطاً لمراجعة أي مبادرة داخلية بعيداً عن سياق الجوائز.
مثال تطبيقي: مركز تكوين يبدأ رحلة التميّز
قرّر مركز للتكوين المهني إجراء أول تقييم ذاتي. فشكّل فريقاً من مختلف المصالح، واطّلع على معايير النموذج، وجمع الأدلة المتوفرة: الإجراءات، والسجلات، ونتائج الاستبيانات، وملاحظات المتكوّنين والمؤسسات التي تستقبلهم في التربّص.
وعند مراجعة طريقة التعامل مع آراء المتكوّنين بمنطق RADAR، تبيّن أن المنهج موجود، إذ يُوزَّع استبيان في نهاية كل دورة، لكن نشره غير منتظم بين التخصصات، ولا تُحلَّل نتائجه، ولا يُبلَّغ المتكوّنون بما تغيّر بناءً عليه. فخرج الفريق بقائمة من نقاط القوة وفرص التحسين، واختار منها ثلاثة مشاريع ذات أولوية، من بينها توحيد الاستبيان وتحليل نتائجه دورياً ونشر الإجراءات المتخذة. ثم أعاد التقييم بعد عام لقياس التقدم. ولم يكن الغرض من التقييم الأول الحصول على درجة، بل فهم الوضع القائم بلغة مشتركة.
من أين نبدأ؟
- التزام القيادة العليا وتحديد الغرض من رحلة التميّز.
- تكوين فريق التقييم على النموذج ومنطق RADAR.
- تقييم ذاتي باستخدام معايير النموذج لمعرفة نقاط القوة وفرص التحسين.
- ترتيب الأولويات واختيار مشاريع تحسين محددة بمسؤولين وآجال.
- قياس النتائج ومقارنتها بالمرجعيات.
- تكرار التقييم دورياً لقياس التقدم.
- مشاركة التجربة مع مؤسسات أخرى للتعلّم المتبادل.
أخطاء شائعة
- جعل الجائزة غاية بدل التحسين.
- إعداد وثائق للتقييم لا تعكس الممارسة الفعلية.
- إسناد التقييم إلى جهة خارجية دون إشراك العاملين.
- إطلاق مشاريع تحسين كثيرة تتجاوز قدرة المؤسسة على المتابعة.
- الاكتفاء بتقييم واحد لا يتبعه عمل.
نماذج التميّز ليست هدفاً في ذاتها، بل خريطة طريق للتعلّم والتحسين المستمر.
