حين تقع مشكلة، يميل الكثيرون إلى معالجة أعراضها بسرعة. لكن المشكلة تعود ما لم يُعالَج سببها الجذري. وتحليل السبب الجذري منهج منظّم للانتقال من العَرَض الظاهر إلى السبب الذي إن عولج مُنع تكرار المشكلة.
العَرَض والسبب المباشر والسبب الجذري
يفيد التمييز بين ثلاثة مستويات:
- العَرَض: ما نلاحظه من آثار، كشكوى أو تأخير أو منتج معيب.
- السبب المباشر: الحدث الذي أدى إلى المشكلة في هذه المرة بعينها.
- السبب الجذري: الخلل الأعمق في النظام أو الإجراء أو الموارد الذي يسمح بتكرار المشكلة.
ويقابل هذا التمييز نوعان من الاستجابة: التصحيح الذي يعالج الأثر القائم، والإجراء التصحيحي الذي يزيل السبب لمنع التكرار. وكلاهما ضروري، لكن الثاني هو الذي يصنع التحسين الدائم.
أسلوب «لماذا» الخمس
نشأ هذا الأسلوب في بيئة التصنيع اليابانية، ويقوم على طرح سؤال «لماذا؟» بشكل متتابع حتى نصل إلى سبب يمكن معالجته.
مثال:
- لماذا تأخّر تسليم الملف للمستفيد؟ لأن التوقيع تأخر.
- لماذا تأخر التوقيع؟ لأن المسؤول لم يتسلّم الملف في وقته.
- لماذا لم يتسلّمه؟ لأن الملف بقي في مصلحة أخرى.
- لماذا بقي هناك؟ لأنه لا يوجد إجراء يحدد مسار الملف ومُهله.
- لماذا لا يوجد؟ لأن العملية لم تُوثّق أبداً.
السبب الجذري هنا ليس تقصير شخص، بل غياب إجراء موثّق.
والعدد خمسة إرشادي لا إلزامي؛ فقد يكفي أقل منه وقد يلزم أكثر. والمهم أن تكون كل إجابة واقعة يمكن التحقق منها لا تخميناً، وأن يتفرّع التحليل حين تحتمل الإجابة أكثر من سبب. ويُختبر السبب الجذري بسؤال عكسي: لو عولج هذا السبب، هل يُمنع تكرار المشكلة؟
مخطط عظم السمكة
ابتكره كاورو إيشيكاوا لترتيب الأسباب المحتملة في فئات، أشهرها الفئات الست المعروفة اختصاراً بـ 6M:
- الأفراد
- الأساليب والإجراءات
- الآلات والتجهيزات
- المواد
- القياس
- البيئة
يُكتب أثر المشكلة على رأس السمكة، وتتفرع الأسباب على عظامها، ثم يختار الفريق أكثرها احتمالاً للتحقق منها بالبيانات. وفي مؤسسات الخدمات يمكن تكييف الفئات، كالسياسات والإجراءات والأفراد والمكان، بما يناسب طبيعة العمل.
ويُستحسن أن يُرسم المخطط في جلسة جماعية تضم من يعملون في العملية، وأن تُصاغ الأسباب وقائعَ محددة لا عبارات عامة مثل «قلة الاهتمام» التي لا تقود إلى أي إجراء.
أدوات مكمّلة: شجرة الأخطاء ومنهج 8D
- تحليل شجرة الأخطاء: يبدأ من الحدث غير المرغوب في أعلى الشجرة، ثم يفكّكه نزولاً إلى الأحداث التي قد تسبّبه، مستخدماً بوابات منطقية: «و» حين يلزم اجتماع عدة أحداث، و«أو» حين يكفي أحدها. ويناسب المشكلات المعقدة أو ذات الخطورة العالية.
- منهج 8D (الخطوات الثماني): إطار لعمل الفرق في معالجة المشكلات، يمر بتشكيل الفريق، ووصف المشكلة، واحتوائها مؤقتاً، وتحديد السبب الجذري، واختيار الإجراءات التصحيحية، وتنفيذها والتحقق منها، ومنع التكرار، ثم تقدير جهد الفريق.
مثال تطبيقي: تأخّر نتائج التحاليل في قسم استشفائي
لاحظ فريق قسم في مستشفى أن نتائج بعض التحاليل تصل متأخرة فتؤخّر القرارات العلاجية. رسم الفريق مخطط عظم السمكة، فظهرت أسباب محتملة كثيرة: نقل العينات بين القسم والمخبر، وتسليم المناوبة، وغياب ترتيب للأولويات، وأخطاء في الملصقات، وعدم تسجيل الأوقات بطريقة موحّدة.
وبدل اعتماد الرأي الأكثر شيوعاً، سجّل الفريق لكل عينة وقت أخذها ووقت وصولها إلى المخبر ووقت صدور النتيجة. فأظهرت البيانات أن التأخير يتركّز في مرحلة النقل، وخاصة عند تبديل المناوبات. وبطرح «لماذا» المتتابعة، تبيّن أن نقل العينات لا يخضع لمواعيد محددة، وأن كل مناوبة تعتمد على مبادرة من يتوفّر من الأعوان.
لم يكن الحل لوم الأفراد، بل تحديد جولات نقل منتظمة ومسؤول واضح عنها في كل مناوبة، ثم متابعة أوقات الوصول أسابيع عدة للتأكد من أن التحسين ثابت.
خطوات عملية لتحليل ناجح
- صِف المشكلة بدقة: ماذا يحدث، وأين، ومتى، وما حجمه، دون افتراض السبب مسبقاً.
- احتوِ الأثر مؤقتاً لحماية المستفيد ريثما يكتمل التحليل.
- شكّل فريقاً صغيراً يضم من يعرفون العملية في الميدان.
- اجمع الحقائق والبيانات، ولاحظ العملية في مكان حدوثها.
- استعرض الأسباب المحتملة بمخطط عظم السمكة، وتعمّق في أرجحها بأسلوب «لماذا» الخمس.
- تحقّق من السبب بالبيانات قبل اعتماده.
- نفّذ الإجراء التصحيحي وتحقّق من فعاليته، ثم ثبّت الطريقة الجديدة في الإجراءات المكتوبة.
أخطاء ينبغي تجنّبها
- التوقف عند أول إجابة سهلة.
- تحويل التحليل إلى بحث عن مذنب.
- الاعتماد على الرأي دون التحقق بالبيانات.
- الاكتفاء بسبب واحد حين تتضافر عدة أسباب.
- الخلط بين التصحيح الفوري والإجراء التصحيحي.
- إغلاق الملف دون التأكد من عدم تكرار المشكلة.
نادراً ما يكون السبب الجذري شخصاً؛ غالباً ما يكون نظاماً أو إجراءً يسمح بتكرار الخطأ.
