الجزائر العاصمة36.7764° N · 3.0586° E

منظمة وطنية مهنية غير ربحية

أدوات التحسينمدة القراءة: 3 دقائق#03

دورة PDCA: محرّك التحسين المستمر

إذا كان للتحسين المستمر قلب، فهو دورة PDCA. ابتكر فكرتها والتر شيوارت، ونشرها إدواردز ديمينغ حتى أصبحت لغة مشتركة بين المهتمين بالجودة في العالم.

من شيوارت إلى ديمينغ

تعود جذور الدورة إلى أعمال شيوارت في الضبط الإحصائي للجودة، إذ نظر إلى الإنتاج بوصفه تطبيقاً للمنهج العلمي: تحديد ما نريد، ثم الإنتاج، ثم الفحص للتعلّم مما حدث. وقد عرّف ديمينغ بهذه الفكرة في محاضراته في اليابان، حيث صيغت في الخطوات الأربع المعروفة اليوم. وفي أواخر أعماله فضّل ديمينغ تسميتها PDSA، مستبدلاً «التحقق» بـ«الدراسة» (Study)، تأكيداً أن الغاية ليست مجرد فحص النتائج، بل فهم أسبابها والتعلّم منها.

المراحل الأربع

  1. خطّط (Plan): حدّد المشكلة أو فرصة التحسين، وافهم وضعها الحالي بالبيانات، وضع هدفاً قابلاً للقياس وخطة عمل. ومن المفيد هنا تحليل الأسباب الجذرية، وتدوين توقّع صريح لما سيحدث عند تطبيق الحل.
  2. نفّذ (Do): طبّق الحل على نطاق محدود أولاً، كتجربة، ووثّق ما يحدث، بما في ذلك الصعوبات والآثار غير المتوقعة.
  3. تحقّق (Check): قارن النتائج بالهدف وبالتوقّع المدوَّن. هل تحقق التحسن؟ ولماذا؟ وما الذي تعلّمناه؟
  4. صحّح وعمّم (Act): إن نجح الحل فاجعله معياراً جديداً وعمّمه، وإن لم ينجح فتعلّم من التجربة وابدأ دورة جديدة.

وحين يُعتمد الحل الجديد، ينبغي الحفاظ عليه بتوحيد طريقة العمل، وتدريب المعنيين، ومتابعة المؤشر، حتى لا يعود الأداء إلى ما كان عليه. ويُطلق على مرحلة التثبيت هذه أحياناً دورة SDCA، أي: وحّد، نفّذ، تحقّق، صحّح.

مثال عملي

لاحظت مصلحة إدارية أن معالجة الطلبات تستغرق وقتاً طويلاً. في مرحلة التخطيط قاس الفريق الزمن الحالي وحدّد أسباب التأخير، ووضع هدفاً بتقليصه. في مرحلة التنفيذ جُرّب نموذج موحّد للطلب في مكتب واحد. في مرحلة التحقق قورنت النتائج بالمكاتب الأخرى. ولما ثبت التحسن، اعتُمد النموذج في كل المكاتب وأُدرج في الإجراءات الرسمية.

وتكشف تفاصيل هذا المثال منطق الدورة. فقد بيّن القياس الأوّلي أن جانباً كبيراً من التأخير سببه ملفات ناقصة تُعاد إلى أصحابها، فكان الحل المقترح نموذجاً موحّداً مرفقاً بقائمة واضحة بالوثائق المطلوبة. واختير مكتب واحد للتجربة حتى يمكن مقارنته بمكتب مشابه لم يتغير فيه شيء. وفي مرحلة التحقق لم يكتفِ الفريق بمتوسط الزمن، بل تتبّع أيضاً عدد الملفات الناقصة وآراء الموظفين، فظهرت ملاحظة حول صياغة بعض الخانات، عُدّلت قبل التعميم. ثم انطلقت دورة ثانية لمعالجة سبب آخر للتأخير.

كيف تُطلق أول دورة؟

يقترح «نموذج التحسين»، المستخدم على نطاق واسع في القطاع الصحي، ثلاثة أسئلة تسبق كل دورة: ما الذي نسعى إلى تحقيقه؟ وكيف سنعرف أن التغيير تحسين فعلاً؟ وما التغيير الذي يمكن أن يؤدي إلى التحسين؟ وانطلاقاً منها يمكن اتباع الخطوات الآتية:

  1. اختر مشكلة محدودة وملموسة، يشعر بها المستفيدون أو الموظفون، ويمكن قياسها.
  2. كوّن فريقاً صغيراً يضم من يؤدون العمل فعلاً.
  3. اجمع بيانات الوضع الحالي قبل اقتراح أي حل.
  4. حدّد هدفاً قابلاً للقياس، ودوّن توقّعك لأثر التغيير.
  5. جرّب التغيير على نطاق صغير ولمدة قصيرة.
  6. قارن النتائج بالهدف والتوقّع، ثم قرّر: اعتماد التغيير، أو تعديله، أو التخلي عنه.
  7. وثّق الدرس المستفاد وشاركه، ثم ابدأ الدورة التالية.

ويُستحسن أن تكون الدورات الأولى قصيرة، تُقاس بالأيام أو الأسابيع لا بالأشهر، حتى يرى الفريق النتائج بسرعة ويكتسب الثقة في المنهج.

أخطاء شائعة

  • القفز إلى التنفيذ دون فهم المشكلة.
  • إهمال مرحلة التحقق والاكتفاء بالانطباع.
  • اعتبار الدورة مشروعاً ينتهي، بينما هي حلقة تتكرر.
  • تعميم الحل على المؤسسة كلها قبل تجربته على نطاق محدود.
  • تغيير عدة عوامل في الوقت نفسه، فيتعذر معرفة أيّها أحدث الأثر.
  • اختيار مشكلة واسعة جداً في الدورة الأولى، فيطول العمل وتفتر الحماسة.
  • إغفال مرحلة التوحيد، فيعود الأداء إلى سابق عهده بعد أسابيع.

قوة PDCA في بساطتها: تجعل التحسين عادة منهجية لا حدثاً استثنائياً.

PDCA في أنظمة الإدارة

تعتمد مواصفات أنظمة الإدارة الدولية على منطق هذه الدورة: التخطيط للنظام، ثم تشغيله، ثم تقييم أدائه بالتدقيق والمراجعة، ثم التحسين.

ففي ISO 9001 مثلاً، تقابل مرحلة التخطيط البند 6 الخاص بالتخطيط، ومرحلة التنفيذ البندين 7 و8 الخاصين بالدعم والتشغيل، ومرحلة التحقق البند 9 الخاص بتقييم الأداء، ومرحلة التصحيح البند 10 الخاص بالتحسين، بينما تقع القيادة (البند 5) في قلب الدورة، ويغذّيها فهم سياق المؤسسة (البند 4) واحتياجات الأطراف المعنية. وهكذا تعمل الدورة على مستويات متعددة: في حل مشكلة يومية، وفي مشروع تحسين، وفي إدارة النظام بأكمله.

شارك المقال: