الجزائر العاصمة36.7764° N · 3.0586° E

منظمة وطنية مهنية غير ربحية

تنمية القدرات البشريةمدة القراءة: 3 دقائق#15

إدارة المعرفة وثقافة التعلّم المؤسسي

تملك كل مؤسسة رصيداً من المعرفة: خبرات أفرادها، ودروس مشاريعها، وأفضل ممارساتها. لكن جزءاً كبيراً من هذا الرصيد يضيع حين يغادر الأشخاص أو تُنسى التجارب. وإدارة المعرفة هي فن الحفاظ على هذا الرصيد وتنميته وتقاسمه.

وليست إدارة المعرفة نظاماً معلوماتياً يُشترى، بل مزيج من الأشخاص والعمليات والأدوات. وتمرّ عادة بدورة تشمل تحديد المعرفة المهمة، واكتسابها أو توليدها، وتنظيمها وحفظها، وتقاسمها، ثم استعمالها فعلاً في العمل، وهي المرحلة التي تصنع القيمة.

معرفة صريحة ومعرفة ضمنية

  • المعرفة الصريحة: ما يمكن كتابته وتوثيقه، كالإجراءات والأدلة والتقارير.
  • المعرفة الضمنية: ما يكمن في خبرة الأشخاص وحدسهم ومهاراتهم، ويصعب نقله كتابةً.

ويُنسب مفهوم المعرفة الضمنية إلى الفيلسوف مايكل بولاني. ومن أمثلتها التقني المتمرس الذي يدرك من صوت الآلة أن قطعة فيها بدأت تبلى، أو المكوِّن الذي يعرف كيف يعيد صياغة شرحه حين يلمح الحيرة في وجوه المتدربين. وهذه المعرفة لا تنتقل كاملة بالوثائق، بل بالمعايشة والممارسة المشتركة.

نموذج SECI: كيف تتولّد المعرفة؟

وصف الباحثان نوناكا وتاكيوتشي كيف تنتقل المعرفة وتنمو عبر أربع عمليات:

  1. التنشئة: نقل المعرفة الضمنية بالمعايشة والملاحظة، كمرافقة الموظف الجديد لزميل متمرس.
  2. التجسيد: تحويل الخبرة إلى معرفة مكتوبة أو مرئية، بالحوار والأمثلة والنماذج.
  3. التركيب: دمج المعارف المكتوبة في أدلة ومراجع أشمل.
  4. الاستيعاب: تحويل المعرفة المكتوبة إلى ممارسة وخبرة شخصية بالتطبيق.

وتتكرر هذه العمليات في شكل حلزوني يتسع من الفرد إلى الفريق ثم إلى المؤسسة كلها، فتتولد في كل دورة معرفة جديدة.

ممارسات عملية

  • الدروس المستفادة: جلسة قصيرة بعد كل مشروع أو حدث مهم: ماذا خططنا؟ ماذا حدث؟ لماذا؟ ماذا نفعل في المرة القادمة؟
  • مجتمعات الممارسة: مجموعات من أشخاص يتقاسمون اهتماماً مهنياً مشتركاً، ويعمّقون معرفتهم بالتفاعل المنتظم.
  • الإرشاد: ربط أصحاب الخبرة بالأفراد الجدد.
  • خريطة المعرفة: تحديد المعارف الحرجة ومن يملكها، للكشف عن مواطن الهشاشة.
  • مستودع معرفي: مكان منظم يسهل فيه البحث عن الوثائق والتجارب.

ولا تحتاج هذه الممارسات إلى تقنيات معقدة، فنجاحها يتوقف على وقت مخصص لها، وعلى قيادة تعطي القدوة، وعلى ثقة تسمح بالحديث عن الأخطاء دون خوف.

في المواصفات الدولية

يطلب البند 7.1.6 من ISO 9001 أن تحدد المؤسسة المعرفة اللازمة لتشغيل عملياتها وتحقيق مطابقة منتجاتها وخدماتها، وأن تحافظ عليها وتتيحها بالقدر اللازم، وأن تنظر عند تغيّر الاحتياجات في كيفية اكتساب المعارف الإضافية. وتشير ملاحظات المواصفة إلى مصادر داخلية، كالخبرة والدروس المستفادة من الإخفاقات والمشاريع الناجحة، ومصادر خارجية، كالمواصفات والأوساط الأكاديمية والمؤتمرات والمستفيدين. كما خُصّصت المواصفة ISO 30401 لأنظمة إدارة المعرفة.

مثال تطبيقي: مركز تكوين

يستعد مكوِّن ذو خبرة طويلة في مركز تكوين لمغادرة منصبه، وهو من صمّم أهم برامج المركز ويعرف كيف يكيّفها مع مختلف الفئات. فيُعدّ المركز خريطة للمعارف الحرجة لديه، ثم يطبّق نموذج SECI عملياً: يقدّم المكوِّن دورات مشتركة مع زملاء أحدث منه (التنشئة)، وتُجرى معه مقابلات منظمة تُحوَّل إلى دليل للمكوِّن يتضمن أمثلة ونصائح (التجسيد)، ويُدمج الدليل مع مواد المكوّنين الآخرين في مرجع موحّد للبرنامج (التركيب)، ثم يقدّم المكوّنون الجدد الدورات بالاستناد إلى هذا المرجع مع تغذية راجعة منتظمة (الاستيعاب). وتُعقد بعد كل دفعة جلسة دروس مستفادة، ويلتقي المكوّنون دورياً في مجتمع ممارسة يتبادلون فيه الحالات الصعبة. وبذلك لا تغادر خبرة المكوِّن مع مغادرته، بل تصبح جزءاً من رصيد المركز.

نحو المؤسسة المتعلّمة: خطوات للانطلاق

المؤسسة المتعلّمة هي التي تحوّل تجاربها، نجاحاً وإخفاقاً، إلى تعلّم دائم يغيّر طريقة عملها. وللانطلاق نحوها يمكن اتباع خطوات بسيطة:

  1. تحديد المعارف الحرجة التي يهدد فقدانها استمرارية العمل أو جودته.
  2. اختيار ممارسة واحدة سهلة، كجلسات الدروس المستفادة، وتطبيقها بانتظام.
  3. ربط تقاسم المعرفة بالعمل اليومي، لا بمبادرات منفصلة عنه.
  4. تقدير من يتقاسمون خبراتهم، وجعل ذلك جزءاً من تقييم الأداء.
  5. التحقق دورياً من أن المعرفة المتقاسمة تُستعمل فعلاً وتُحدَّث.

ويمتد التعلّم أيضاً خارج حدود المؤسسة، عبر الشبكات والجمعيات المهنية التي تتيح تبادل الخبرات بين المؤسسات والخبراء.

المعرفة هي المورد الوحيد الذي يزداد حين نتقاسمه.

أخطاء شائعة

  • اختزال إدارة المعرفة في منصة رقمية تمتلئ بالوثائق ولا يزورها أحد.
  • توثيق كل شيء دون تمييز بين المعرفة الحرجة وغيرها.
  • انتظار مغادرة الخبير قبل التفكير في نقل معرفته.
  • ثقافة تعاقب الخطأ، فتُخفى الإخفاقات ولا يُتعلّم منها.
  • قياس النجاح بعدد الوثائق المنشورة بدل أثرها في حل المشكلات وتحسين العمل.
  • إسناد إدارة المعرفة إلى قسم المعلوماتية وحده، بعيداً عن أصحاب الخبرة.
شارك المقال: