لا تتحقق الجودة دون أفراد يملكون المعرفة والمهارة والدافعية. وتنمية القدرات البشرية ليست سلسلة دورات تدريبية، بل منظومة تبدأ بفهم الاحتياج وتنتهي بقياس الأثر في العمل وفي أداء المؤسسة.
الكفاءة في منظور ISO 9001
تعرّف مواصفات الجودة الكفاءة بأنها القدرة على تطبيق المعارف والمهارات لتحقيق النتائج المقصودة. ويطلب البند 7.2 من ISO 9001 أن تحدد المؤسسة الكفاءات اللازمة للأشخاص الذين يؤثر عملهم في أداء نظام إدارة الجودة، وأن تتأكد من كفاءتهم على أساس التعليم أو التدريب أو الخبرة، وأن تتخذ عند الحاجة إجراءات لاكتساب الكفاءة المطلوبة وتقيّم فعاليتها، وأن تحتفظ بمعلومات موثقة دليلاً على ذلك. واللافت أن المواصفة لا تحصر هذه الإجراءات في التدريب، بل تذكر أيضاً الإرشاد، وإعادة توزيع المهام، والاستعانة بأشخاص أكفاء.
تحليل الاحتياجات التدريبية
يُجرى التحليل عادة على ثلاثة مستويات:
- مستوى المؤسسة: ما الكفاءات التي تحتاجها لتحقيق استراتيجيتها ومواجهة التغييرات القادمة؟
- مستوى المهام: ما المعارف والمهارات التي تتطلبها كل وظيفة؟
- مستوى الفرد: ما الفجوة بين ما يملكه الشخص وما يتطلبه عمله؟
وتُستقى المعلومات من مصادر متعددة: الأهداف الاستراتيجية، وبطاقات الوصف الوظيفي، وتقييمات الأداء، ونتائج التدقيق وشكاوى المستفيدين، وإدخال تجهيزات أو أنظمة جديدة. وقبل اعتماد أي تدريب، ينبغي التحقق من أن الفجوة سببها نقص في المعرفة أو المهارة فعلاً، فبعض مشكلات الأداء ترجع إلى إجراءات غامضة أو أدوات غير ملائمة أو ضعف في الدافعية، ولا يعالجها التدريب. ثم تُرتَّب الاحتياجات حسب أثرها في جودة الخدمة وفي المخاطر، لأن الموارد المتاحة للتدريب محدودة دائماً.
تصميم التدريب: نموذج ADDIE
يُعدّ ADDIE من أكثر نماذج التصميم التعليمي انتشاراً، ويتكون من خمس مراحل متتابعة، يغذّي التقييم فيها كل مرحلة سابقة، فيصبح التصميم دورة تحسين لا مساراً خطياً:
- التحليل: تحديد الاحتياج والفئة المستهدفة.
- التصميم: صياغة أهداف تعليمية قابلة للقياس واختيار الأساليب.
- التطوير: إعداد المحتوى والأنشطة والتمارين المستمدة من مواقف العمل الحقيقية.
- التنفيذ: تقديم التدريب في ظروف ملائمة.
- التقييم: قياس مدى تحقق الأهداف، وتغذية المراحل السابقة بالنتائج.
التعلّم لا يحدث في القاعة وحدها
يُستشهد على نطاق واسع بنموذج 70-20-10 بوصفه قاعدة استرشادية لا قانوناً علمياً: الجزء الأكبر من التعلّم يأتي من التجربة في العمل ومواجهة المهام الجديدة، وجزء مهم يأتي من الآخرين عبر التوجيه والإرشاد والتغذية الراجعة، والجزء الأصغر من التدريب الرسمي. والفكرة الجوهرية أن التدريب الرسمي يحتاج إلى بيئة عمل تتيح التطبيق، لذلك ينبغي الجمع بين التدريب، والتعلّم أثناء العمل، والإرشاد، والمجتمعات المهنية.
ويؤدي المسؤول المباشر دوراً حاسماً في ذلك: يبدأ أثر التدريب قبل الدورة بتحديد التوقعات مع الفرد، ويستمر بعدها بمنحه فرصة تطبيق ما تعلّمه ومتابعته وتشجيعه.
قياس الأثر: مستويات كيركباتريك الأربعة
- رد الفعل: هل رضي المشاركون عن التدريب ورأوا فيه فائدة لعملهم؟ ويُقاس عادة باستبيان في نهاية الدورة.
- التعلّم: هل اكتسبوا معارف ومهارات جديدة؟ ويُقاس باختبار قبلي وبعدي أو بتمرين تطبيقي.
- السلوك: هل تغيّرت ممارساتهم في العمل؟ ويُقاس بالملاحظة ومتابعة المسؤول المباشر بعد مدة من التدريب.
- النتائج: هل انعكس ذلك على أداء المؤسسة؟ ويُقاس بمؤشرات مثل الأخطاء والآجال وشكاوى المستفيدين.
ويُستحسن تصميم التقييم منذ البداية انطلاقاً من النتائج المرجوة، لا إضافته بعد انتهاء التدريب.
التدريب الذي لا يتغير بعده شيء في العمل، فرصة ضائعة مهما كان ممتعاً.
مثال تطبيقي: مصلحة إدارية في كلية جامعية
تلاحظ كلية جامعية تكرار الأخطاء والتأخر في إصدار الشهادات للطلبة بعد اعتماد نظام معلوماتي جديد. ويكشف تحليل الاحتياجات أن بعض الأعوان لم يتمكنوا بعدُ من استعمال النظام، وأن جزءاً من الأخطاء سببه إجراء غير واضح لا علاقة له بالتدريب. فيُوضَّح الإجراء أولاً، ثم تُنظَّم ورشة تطبيقية قصيرة على النظام، ويُقرن كل عون جديد بزميل متمرس، وتُوضع بطاقة مرجعية مختصرة قرب كل مكتب. ويُقيَّم الأثر على المستويات الأربعة: استبيان في نهاية الورشة، وتمرين تطبيقي، وملاحظة معالجة الطلبات بعد شهر، ثم متابعة مؤشري الأخطاء ومدة الإصدار. وتُحفظ أدلة الكفاءة، كسجلات الحضور ونتائج التمرين، استيفاءً لمتطلب البند 7.2.
أخطاء شائعة
- قياس نجاح التدريب بعدد الدورات أو ساعات التكوين بدل أثره.
- الاكتفاء بالمستوى الأول من التقييم، أي رضا المشاركين.
- إرسال الأفراد إلى دورات لا ترتبط باحتياج محدد.
- إغفال دور المسؤول المباشر قبل التدريب وبعده.
- معالجة كل مشكلة أداء بالتدريب، ولو كان سببها في الإجراءات أو الأدوات.
- تدريب الأفراد على ممارسات جديدة ثم إعادتهم إلى بيئة عمل لا تسمح بتطبيقها.
