تُنظَّم كثير من المؤسسات في أقسام ومصالح، لكن المستفيد لا يرى الأقسام؛ إنه يرى مساراً واحداً يبدأ بطلبه وينتهي بحصوله على الخدمة. هذا هو جوهر نهج العمليات.
ما هي العملية؟
العملية مجموعة من الأنشطة المترابطة التي تستخدم مدخلات لتحقيق نتيجة مقصودة. فاستقبال طلب، ودراسته، والرد عليه، عملية واحدة قد تعبر عدة مصالح.
وهذا التعريف مأخوذ من المواصفة ISO 9000، التي تضيف أن الأنشطة قد تكون مترابطة أو متفاعلة. وكثيراً ما تكون مخرجات عملية ما مدخلات لعملية أخرى، فتتشكّل شبكة من العمليات هي في حقيقتها نظام الإدارة نفسه.
ولا ينبغي الخلط بين العملية والإجراء: فالعملية هي ما يحدث فعلاً لتحويل المدخلات إلى مخرجات، أما الإجراء فهو الطريقة المحددة لتنفيذ نشاط أو عملية، وقد يكون موثّقاً أو غير موثّق.
وتُصنَّف العمليات عادةً في ثلاث فئات: عمليات أساسية تُنتج مباشرة ما يحصل عليه المستفيد، كتقديم الخدمة أو تصنيع المنتج؛ وعمليات دعم توفّر ما تحتاجه العمليات الأساسية، كالموارد البشرية والصيانة والمشتريات؛ وعمليات قيادة توجّه المؤسسة وتراقب أداءها، كالتخطيط الاستراتيجي ومراجعة الإدارة.
لماذا نهج العمليات؟
- يكشف نقاط التداخل بين المصالح، حيث تضيع المسؤوليات ويتراكم التأخير.
- يربط كل نشاط بالقيمة التي يضيفها للمستفيد.
- يسهّل قياس الأداء من البداية إلى النهاية.
وتلخّص ISO 9001 فوائد هذا النهج في: فهم المتطلبات والوفاء بها باتساق، والنظر إلى العمليات من زاوية القيمة المضافة، وتحقيق أداء فعّال للعمليات، وتحسينها استناداً إلى تقييم البيانات والمعلومات. كما تطلب المواصفة أن تحدّد المؤسسة لكل عملية مدخلاتها ومخرجاتها، وتسلسلها وتفاعلها مع غيرها، ومعايير تشغيلها ومؤشراتها، ومواردها، والمسؤوليات والصلاحيات، والمخاطر والفرص المرتبطة بها.
أداتان للوصف: SIPOC ومخطط السلحفاة
SIPOC أداة بسيطة لوصف أي عملية في صفحة واحدة:
- الموردون (S): من يقدّم المدخلات؟
- المدخلات (I): ما الذي نحتاجه؟
- العملية (P): ما الخطوات الرئيسية؟
- المخرجات (O): ما الذي ننتجه؟
- المستفيدون (C): لمن نقدّمه؟
وتُستعمل SIPOC عادةً لرسم الصورة العامة قبل الدخول في التفاصيل، ولذلك تقتصر خانة العملية فيها على عدد محدود من الخطوات الرئيسية.
أما مخطط السلحفاة فيصف العملية الواحدة بعمق أكبر: تتوسطه العملية، وتحيط بها ستة عناصر هي المدخلات، والمخرجات، والموارد المادية (بماذا؟)، والأفراد وكفاءاتهم (بمن؟)، والطرق والإجراءات (كيف؟)، والمؤشرات (بأي قياس؟). ويستعمله المدققون كثيراً لفهم العملية قبل تدقيقها.
مثال تطبيقي: كشوف النقاط في كلية جامعية
في كلية جامعية، يشتكي الطلبة من تأخر استلام كشوف النقاط. وكل طرف ينظر إلى دوره بمعزل عن الآخرين: الأساتذة يسلّمون النقاط، والأقسام تجمعها، ومصلحة التمدرس تطبع الكشوف. وبتطبيق SIPOC تتضح الصورة: الموردون هم الأساتذة والأقسام البيداغوجية، والمدخلات هي النقاط المصادق عليها ومحاضر المداولات، والعملية تشمل الجمع والتدقيق والإدخال والطباعة والتوقيع، والمخرجات كشوف صحيحة، والمستفيدون هم الطلبة. ويكشف رسم خريطة العملية أن التأخير يتراكم عند تسليم محاضر المداولات بين الأقسام ومصلحة التمدرس، وهي نقطة لم يكن أحد مسؤولاً عنها بوضوح. فيُعيَّن مالك للعملية، ويتفق الطرفان على آجال التسليم، ويُتابَع مؤشر بسيط هو زمن تسليم الكشف. ويُتابَع كذلك عدد الكشوف المعاد إصدارها بسبب الأخطاء، حتى لا يتحقق تسريع التسليم على حساب الدقة.
خطوات تطبيقية
- حدّد العمليات الرئيسية للمؤسسة وصنّفها: عمليات أساسية تخدم المستفيد، وعمليات دعم، وعمليات قيادة.
- ارسم خريطة كل عملية بخطواتها ونقاط القرار فيها.
- عيّن مالكاً لكل عملية يتابع أداءها ويقود تحسينها.
- حدّد مؤشرات لكل عملية: الزمن، والجودة، والكلفة، ورضا المستفيد.
- راجع التفاعلات بين العمليات بانتظام.
- طبّق على كل عملية دورة PDCA، مع مراعاة المخاطر والفرص المرتبطة بها.
ومن المفيد أن تبدأ المؤسسة بخريطة عامة تضم عملياتها الرئيسية وعلاقاتها في صفحة واحدة، ثم تنتقل إلى تفصيل العمليات ذات الأولوية، بدل محاولة رسم كل شيء دفعة واحدة.
حين يعرف كل فرد أين يبدأ دوره وأين ينتهي، ولمن تذهب مخرجاته، يتحسن التنسيق تلقائياً.
أخطاء شائعة
- الخلط بين العمليات والهيكل التنظيمي، فتُرسم خريطة لكل مصلحة بدل كل مسار.
- الإفراط في التفصيل حتى تصبح الخرائط وثائق لا يقرؤها أحد.
- تعيين مالك للعملية دون منحه الصلاحيات التي تسمح بالتنسيق بين المصالح.
- قياس أداء كل مصلحة على حدة وإهمال القياس من البداية إلى النهاية.
- رسم الخرائط مرة واحدة ثم تركها دون تحديث حين يتغير العمل.
