لا تخلو أي مؤسسة من الشك وعدم اليقين: تغيّر الأنظمة، وتعطّل الموردين، وغياب الكفاءات. وقد جعلت المواصفات الحديثة لأنظمة الإدارة من «التفكير القائم على المخاطر» جزءاً أساسياً من التخطيط، بدل انتظار المشكلات لمعالجتها.
ما هو الخطر؟
يُعرَّف الخطر في المواصفات الدولية بأنه «أثر عدم اليقين» على الأهداف. وقد يكون هذا الأثر سلبياً، وهو ما نسميه عادة خطراً، أو إيجابياً، وهو ما نسميه فرصة.
وتوضح المواصفة ISO 31000 الخاصة بإدارة المخاطر أن الأثر هو انحراف عمّا هو متوقع، وأن الخطر يُعبَّر عنه عادة بمصادره، والأحداث المحتملة، وعواقبها، واحتمال حدوثها. فالخطر ليس الحدث وحده، بل الحدث مقروناً بأثره على ما تسعى المؤسسة إلى تحقيقه.
الخطر في ISO 9001: الوقاية جزء من التخطيط
أدرجت ISO 9001 التفكير القائم على المخاطر في صلب نظام إدارة الجودة، فلم تعد الإجراءات الوقائية بنداً مستقلاً، بل أصبحت جزءاً من التخطيط المعتاد. وتطلب المواصفة من المؤسسة تحديد المخاطر والفرص التي ينبغي معالجتها، والتخطيط لإجراءات تتناسب مع أثرها المحتمل على مطابقة المنتجات والخدمات، ثم تقييم فعالية هذه الإجراءات. ولا تشترط المواصفة منهجية رسمية أو عملية موثّقة لإدارة المخاطر، فيبقى للمؤسسة أن تختار الأسلوب الملائم لحجمها وطبيعة نشاطها.
خطوات عملية
- التحديد: ما الذي يمكن أن يمنعنا من تحقيق أهدافنا أو جودة خدماتنا؟ وتفيد هنا مراجعة الشكاوى والحوادث السابقة، وجلسات النقاش مع من يؤدون العمل.
- التقييم: ما احتمال حدوثه؟ وما شدة أثره؟ يمكن استخدام مصفوفة بسيطة تجمع الاحتمال والأثر.
- المعالجة: تجنّب الخطر، أو تقليله، أو نقله، أو قبوله عن وعي.
- المتابعة: هل كانت الإجراءات فعّالة؟ هل ظهرت مخاطر جديدة؟
وتؤطّر ISO 31000 هذه الخطوات بعناصر أخرى: فالعملية تبدأ بتحديد النطاق والسياق ومعايير تقييم الخطر، وهي المعايير التي تضمن أن يقيس الجميع المخاطر بالمقياس نفسه، ويرافقها طوال الوقت التواصل والتشاور مع الأطراف المعنية، والتسجيل والإبلاغ، لأن المخاطر التي يجهلها من يؤدون العمل يصعب أن تُدار.
في مصفوفة الاحتمال والأثر يُقدَّر كل عامل على سلّم بسيط من ثلاث درجات أو خمس، ويحدّد تقاطعهما في المصفوفة مستوى الخطر: فتُعالَج المخاطر المرتفعة أولاً، وتُراقَب المتوسطة، وقد تُقبل المنخفضة. وتذكر ISO 9001 خيارات أوسع للمعالجة، منها إزالة مصدر الخطر، وتغيير احتماله أو عواقبه، وتقاسمه مع أطراف أخرى، بل وقبول خطر محسوب سعياً وراء فرصة.
وتُدوَّن النتائج عادة في سجل المخاطر: الخطر، وسببه، وأثره، وتقييمه، والمعالجة المقررة، والمسؤول عنها، وموعد مراجعته. أما في الأنشطة الفنية والتصميم فيُلجأ غالباً إلى تحليل أنماط الإخفاق وآثارها (FMEA)، الذي يقيّم كل نمط إخفاق محتمل من حيث شدة أثره، واحتمال حدوثه، وإمكانية اكتشافه قبل وصوله إلى المستفيد.
أمثلة تطبيقية
مؤسسة صناعية صغيرة تعتمد على مورد وحيد لمادة أساسية. الاحتمال متوسط، والأثر كبير لأن الإنتاج سيتوقف. المعالجة: تأهيل مورد ثانٍ، والاحتفاظ بمخزون أمان، ومراجعة الوضع كل فصل. ويُعاد تقييم الخطر بعد تطبيق هذه الإجراءات للتأكد من أن مستواه قد انخفض فعلاً.
وفي مركز للتكوين، قد يتمثل خطر رئيسي في غياب المدرّب قبيل دورة مبرمجة. الاحتمال متوسط، والأثر مرتفع لأن المتدربين سيتنقلون دون فائدة وستتضرر سمعة المركز. المعالجة: إعداد قائمة بمدرّبين بدلاء مؤهلين، وتوثيق مواد التدريب بحيث يستطيع غير صاحبها تقديمها، ووضع إجراء لإبلاغ المتدربين بسرعة عند أي تغيير. ويقترن بهذا الخطر فرصة: فتوثيق المواد يسهّل أيضاً تقديم الدورة نفسها في أماكن أخرى.
لا تنسَ الفرص
التفكير القائم على المخاطر لا يعني التشاؤم. فالتغيرات نفسها قد تحمل فرصاً: تقنية جديدة، أو طلب جديد من المستفيدين، أو شراكة ممكنة.
وتذكر ISO 9001 أمثلة على الفرص، منها تبنّي ممارسات جديدة، وإطلاق منتجات جديدة، وفتح أسواق جديدة، والوصول إلى مستفيدين جدد، وبناء الشراكات، واستخدام تقنيات جديدة. ولذلك يحسن أن تطرح المؤسسة في كل مراجعة سؤالين متوازيين: ما الذي قد يسوء؟ وما الذي قد يتحسن لو أحسنّا الاستعداد له؟
الهدف ليس إلغاء كل المخاطر، بل اتخاذ قرارات واعية بشأنها.
أخطاء شائعة
- تحويل سجل المخاطر إلى وثيقة تُعدّ من أجل التدقيق ثم تُنسى.
- تقدير الاحتمال والأثر دون معايير موحدة، فيختلف التقييم باختلاف الأشخاص.
- الاكتفاء بالمخاطر السلبية وإهمال الفرص.
- إقرار إجراءات معالجة دون تحديد مسؤول وأجل ومؤشر للمتابعة.
- الإفراط في التعقيد، بينما يكفي المؤسسات الصغيرة أسلوب بسيط ومنتظم.
