الجزائر العاصمة36.7764° N · 3.0586° E

منظمة وطنية مهنية غير ربحية

الأنظمة والمعاييرمدة القراءة: 3 دقائق#13

التدقيق الداخلي: من أداة رقابة إلى فرصة للتعلّم

يرتبط التدقيق في أذهان كثيرين بالتفتيش والبحث عن الأخطاء. لكن التدقيق الداخلي في أنظمة الإدارة أداة للتعلّم: يكشف ما يعمل جيداً، وما يحتاج إلى تحسين، قبل أن تتحول الفجوات إلى مشكلات.

يُعرَّف التدقيق بأنه عملية منهجية ومستقلة وموثقة للحصول على أدلة موضوعية وتقييمها بموضوعية لتحديد مدى استيفاء معايير التدقيق. ويُسمّى التدقيق الداخلي أيضاً تدقيق الطرف الأول، تمييزاً له عن تدقيق الطرف الثاني الذي تجريه المؤسسة على مورّديها، وتدقيق الطرف الثالث الذي تجريه هيئة مستقلة كهيئات الإشهاد. وتشترط ISO 9001 إجراء تدقيقات داخلية على فترات مخططة للتحقق من أن نظام إدارة الجودة مطابق لمتطلبات المؤسسة نفسها ولمتطلبات المواصفة، وأنه مطبّق ومحافَظ عليه بفعالية.

إرشادات دولية: مبادئ ISO 19011

تقدّم المواصفة ISO 19011 إرشادات لتدقيق أنظمة الإدارة، وتحدد مبادئ ينبغي أن يلتزم بها المدقق:

  • النزاهة: الأمانة والحياد وتحمّل المسؤولية، وهي أساس المهنية.
  • العرض المنصف: نقل النتائج والاستنتاجات بصدق ودقة، بما فيها الآراء المتباينة التي لم تُحسم.
  • العناية المهنية الواجبة: بذل الجهد اللازم وإعمال التقدير المهني السليم.
  • السرية: حماية المعلومات التي يطّلع عليها المدقق.
  • الاستقلالية: ألّا يدقّق المدقق عمله بنفسه، ضماناً لحياد الاستنتاجات.
  • النهج القائم على الأدلة: استنتاجات قابلة للتحقق، مبنية على عينات مناسبة من المعلومات.
  • النهج القائم على المخاطر: توجيه جهد التدقيق نحو ما يهمّ المؤسسة أكثر من غيره.

برنامج التدقيق ومراحله

تميّز ISO 19011 بين برنامج التدقيق، وهو مجموعة التدقيقات المخططة لفترة زمنية محددة، وخطة التدقيق التي تصف أنشطة تدقيق واحد بعينه. ويُبنى البرنامج، كما تطلب ISO 9001، مع مراعاة أهمية العمليات، والتغييرات التي تمسّ المؤسسة، ونتائج التدقيقات السابقة، فتُدقَّق العمليات الحساسة أو التي شهدت مشكلات بوتيرة أعلى. أما التدقيق الواحد فيمرّ بالمراحل الآتية:

  1. التحضير: تحديد الهدف والمعايير والنطاق، ودراسة الوثائق والنتائج السابقة، وإعداد قائمة أسئلة تكون دليلاً لا قيداً.
  2. الاجتماع الافتتاحي: التعريف بالهدف والمنهجية وطمأنة المعنيين.
  3. التنفيذ: مقابلات وملاحظة ميدانية وفحص لعينات من السجلات، مع تتبّع ملفات حقيقية من بدايتها إلى نهايتها.
  4. النتائج: مقارنة الأدلة بالمعايير وتصنيف ما يُكتشف.
  5. الاجتماع الختامي والتقرير: عرض النتائج بوضوح وموضوعية، والاتفاق على الخطوات التالية.
  6. المتابعة: التحقق من تنفيذ الإجراءات التصحيحية وفعاليتها.

تصنيف النتائج والإجراء التصحيحي

تصنّف كثير من المؤسسات نتائج التدقيق في ثلاث فئات:

  • عدم المطابقة: عدم استيفاء متطلب، سواء أكان من المواصفة أم من إجراءات المؤسسة أم من متطلبات المستفيد، ويُثبت بدليل موضوعي.
  • الملاحظة: وضع لا يشكّل خرقاً قائماً، لكنه قد يؤدي إلى عدم مطابقة إن لم يُعالج.
  • فرصة التحسين: اقتراح لرفع الكفاءة أو الفعالية في ممارسة مطابقة أصلاً.

ويُصاغ عدم المطابقة الجيد بثلاثة عناصر: المتطلب المعني، والدليل الذي جُمع، ووصف الفجوة بينهما. ومن المهم التمييز بين الإصلاح الذي يعالج الحالة القائمة، والإجراء التصحيحي الذي يزيل السبب الجذري لمنع التكرار. فتصحيح وثيقة صدرت بخطأ إصلاح، أما معرفة سبب الخطأ وتغيير طريقة العمل حتى لا يتكرر فإجراء تصحيحي.

مثال تطبيقي: تدقيق في مصلحة استشفائية

يدقّق ممرض مكوَّن على التدقيق الداخلي، ينتمي إلى مصلحة أخرى، عملية فحص تجهيزات الطوارئ في مصلحة استشفائية. والمعيار إجراء داخلي يشترط التحقق اليومي من عربة الطوارئ وتسجيل ذلك. ويكشف فحص عينة من السجل أياماً لم يُسجَّل فيها الفحص، يقع أغلبها في المناوبات الليلية. وتبيّن المقابلات أن الفريق الليلي لم يُبلَّغ بأن المهمة صارت من مسؤوليته بعد تعديل جدول المناوبات. فيُسجَّل عدم مطابقة مدعوم بالأدلة، وتُسجَّل إلى جانبه ممارسة جيدة هي الترتيب الواضح لمحتويات العربة. ويحدد التحليل السبب الجذري في غياب آلية لنقل المسؤوليات عند تغيير الجداول، لا في تقصير شخص بعينه، فتُدرج مهمة الفحص في قائمة تسليم المناوبة، ويتحقق تدقيق متابعة لاحق من انتظام السجل.

كيف يصبح التدقيق مفيداً؟

  • إشراك المعنيين وشرح الهدف منذ البداية.
  • التركيز على العمليات والنتائج لا على الأشخاص.
  • إبراز الممارسات الجيدة إلى جانب الفجوات.
  • تكوين مدققين داخليين من مختلف المصالح، وتدريبهم على طرح الأسئلة المفتوحة وحسن الإصغاء.
  • عرض خلاصات التدقيقات في مراجعة الإدارة، لتتحول إلى قرارات تحسين.

أخطاء شائعة

  • التدقيق الشكلي الذي يكتفي بالتحقق من وجود الوثائق دون فحص تطبيقها.
  • قوائم أسئلة جامدة تُقرأ حرفياً فتحجب ما يجري فعلاً.
  • إجراء التدقيقات قبيل زيارة هيئة الإشهاد فقط، بدل توزيعها وفق البرنامج.
  • إغلاق حالات عدم المطابقة دون التحقق من فعالية الإجراء التصحيحي.
  • البحث عن مذنب بدل البحث عن السبب، مما يدفع المعنيين إلى إخفاء المشكلات.

التدقيق الناجح يترك المعنيين وقد تعلّموا شيئاً، لا وقد شعروا بالاتهام.

شارك المقال: